قصاصة من الخريف.



بجبين يتفصد عرقا كان يزيل المخلفات التي شوهت ( البلاد) حين بدت بأزهى حللها، قد رويت بقطر السماء، وتمضخت بعبق الطين، وصلصلة القِلّف كانت ترانيمها،  قريبا سيبدأ المهرجان وتزف العرائس إلى البيوت، إنها  الصفحات الأخيرة من رواية الخريف عن علاقة أزلية للإنسان والأرض. لكن عيون المحتل  التي كانت تحدق به نغصت عليه بهجة ذلك النهار فعاد إلى  البيت بخاطر منكدر، كيف لا وحصيد أرضه تحت سلطتهم بعد أيام.

تناول العجوز صحفة اللبن  ورشف منها حتى ارتوت عروقه ثم ألقى بجسده المنهك على فراشه ثم أرخى جفون عينيه لينعم بقيلولة يريح بها جسده، لكن خطاطيف الشر انتزعت منه تلك الراحة فكان متقلقلا على الفراش لا ينعم بغمضة عين، ثم نهض فجاة وقد حزم الرأي وعقد العزم  بأن يحارب المحتل! سيستعين بذلك الجندي في البيت القديم، فترجل من على فراشه وأسرع نحو البيت القديم حيث يكمن ذلك الجندي.

فتح الباب فأزعجته رائحة العفونة الشديدة، وباغتته خيوط العناكب العتيقة، اختلس بضع دقائق ليقرأ التاريخ الماثل أمامه: "لمَ تبدو هذه الأشياء قيمة الآن؟!" ثم استدرك عائدا إلى اللحظة الراهنة فأخذ يبحث عن مراده، فوجده على حاله القديمة التي تركها عليه، مسندا ظهره إلى جدار الطين، قد بدا ساقه  مسودا  متآكلا جراء  هجمة شرسة من عصابة خفية، تقدم نحوه وفحصه بنظرة خاطفة ثم  حمله على ظهره.

 "إيه أيها الشيخ، لن تجدني نافعا أبدا، اتركني أنتهي هنا بسلام، ألم تر كيف تجرأت هذه الطفيليات على بطلك؟ بطلك! نعم، لقد كانت معركة حامية الوطيس في ذلك الخريف، كنتُ ًٌسعيدا حين ولّى العدو منهزما خائبا، ونشوة النصر بدت على محياك، لقد كانوا متربصين حتى  انقضوا جماعات ووحدانا، لم أنس الخسائر إلا أننا مُنينا بالنصر.
ما الذي ذكرك بي الآن؟ تركتني في هذا البيت المظلم حتى تقادم بي العهد وتوالت علي الدهور بأهوالها، أين كنت عني؟
المعذرة فقد نسيت أنك السيد وأنا لك جندي . حياتنا نحن الجنود جبهات حرب، وواجبنا أن  نسمع ونطيع، وأن نقدم صادق الولاء ونبذل عظيم  الفداء حتى آخر لحظة:
أيها الجندي تقـــــــدم، إلى الأمام ..سر"
 "حاضر سيدي".
"أمرك سيدي".
 على هتافات النصر، وزمجرة القادة نندفع نحو الأمام، بقلوب تحسبها ميتة لا تهاب، إنك لا تعلم أنا نصارع وحشا عظيما يجثم على صدورنا قبل أن نلتحم بالعدو،  تتصدع قلوبنا مما نجابه، نرى مصارعنا أمام أعيننا فتكاد قلوبنا أن تنخلع من مكانها؛ 
 إنا نخاف أيها السادة! ولكن:
"إلى الأمام ..سر"
" حاضر سيدي"
" أمرك سيدي"
 ثم نكون مجرد أرقام في كتب التاريخ، وجثثا مركومة مستقذرة تسعون لمواراتها.

 آذتني هذه الشمس التي أخرجتني إليها الآن! مهلا مهلا لا تقذفني بهذه القوة … آآخ".
"ماذا أرى؟منشار ومسامير! هل هي معركة جديدة حقا؟ لقد أصابني العطب أيها الشيخ، كيف لمثلي أن يجابه من جديد ذلك الجيش العرمرم؟
" أيها الجندي تقـــــــدم، إلى الأمام ..سر"
 "حاضر سيدي.

لماذا تلبسني حلة جديدة؟ وما عساها أن تغير في روح جنديك البائسة إني لا أستطيع لك شيئا، اتركني في استراحتي أرجوك، اتركني لظلمتي أنعم بالهدوء.
إلى أين تأخذني؟ ارفق بي وأنت تحملني فوق كتفك".

صمت الجندي مستسلما لرغبة الشيخ، احتمله وسار به عبر طريق طويل، كان يتلو تضاريس الأرض المتعرجة التي يسير عليها سيده، لكنه انقطع ذلك الاسترسال قسرا؛ إذ كانت عينه مشدوهة ببساط السماء الأسود المطرز بنجومها المتلألئة، افتتن بالكوكب الدري قد زين خدها وازداد حسنا حين جاوره الهلال،" يا إلهي ما كل هذا الجمال"! 
لا غرو أن يبدو كالأبله، أو كطفل يرى حديقة ألعاب ودكاكين مرصعة بالحلوى لأول مرة! لقد كانت عينه دائما إلى الأرض حين كان يحمل إلى ميدان المعركة، لا يرى إلا وجه الأرض، كلما استحسن منها بقعة ندية إذا بلوثة تلطخها فيستبشع المنظر. ظل مشدوها إلى ذلك النقاء السماوي طويلا حتى اضطرب فيه السكون فجأة  ليجد نفسه مرة أخرى إلى الأرض، ثم توارى عنه سيده.
"لا مناص إذا، إنها المعركة ذاتها والمصير نفسه".
نظر إلى الأفق عله يؤنس نفسه بسحر السماء الفاتن، لكن لم يك سوى ظلمة تكسوها ظلمة، ووحدة يخنقها استيحاش، ما من أنيس سوى صرير جندب غائر، أو فحيح أفعى ثائرة، أو ريح تتسلل كشبح إلى نفق كمه، فتتلبسه قشعريرة يريد لها دفئا فلا يجد.
"اثبت أيها الجندي اثبت"
ثم يفزع من رؤوس تتراقص أمامه. 
"اثبت أيها الجندي، ليتك نسيتني أيها الشيخ، ما هذه الليلة؟"
ظل يصارع أهوال الظلام طويلا حتى أصابه الإعياء ينتظر ساعة تنقشع عنه الظلمة المقيتة.

امتدت خيوط الصبح أخيرا بهدوء، وهبت نسائم لطيفة أجلت وحشة الليل فتسربت إلى قلب الجندي طمأنينة سُرّ بها خاطره، رأى كيف ينسلخ الوشاح الأسود قسرا حين هيمن الضياء. ضحك بشدة وهو يرى أشباح الليل الراقصة هاوية والمنجل يحصدها حصدا.
تنفس الصعداء، وترك ذراعيه مشرعتان بكبرياء كقبطان على ظهر سفينة تمخر عباب البحر لا يأبه بالريح عاصفة. ظل واقفا برباطة جأش، يتربص بأسراب العدو، ثم رآها تتقدم، حتى تراصت أمامه ميمنة وميسرة، أخذت تدرس دفاعات الجندي، فلم تعبأ به ثم تأهبت للهجوم  …
لكنها رفرفت هاربة بلا رجعة حين عبثت ريح 
بأذرع الفــــــــــزاعة.










تعليقات

  1. دائما بعثرت حروفك تبعثر كل مافيني 🤍

    ردحذف

إرسال تعليق

___

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تهويدة.