تهويدة.
تهويدة.
كانت تجري فزعًا، تتأرجح خصلات شعرها مع أنفاسها المتقطعة وتداعب وجه الرضيع الذي ضمّته بين يديها.
اطمأنت إلى مسجد قريب بعد أن غاب عنها الخطر، ثم رمقت صغيرها لتسقيه أمانًا بعد طول وجل. ركنت إلى سدّة منه لتسكت جوعه، فالتقم الثدي بنهم، فطرقت مسمعه دقات قلبها المتسارعة، فضم جسده إليها أكثر .
نظرت إليه، وقد شخص بصره إليها، فغنّت له لتسمعه اللحن الأخير:
"هيوّة هيوّة هيوّة..
أنا فدى ابني الهاني ... هاني وخيره جاني
لعقبة الزماني .... لايوم الشيبة يشــــــنّا ...وكلٍ مايشاني ..."
انزعج إلى هذه التهويدة، وهي التي كان ينام بها هانئًا؛ مابالها الآن بهذا النشوز؟!
اضطراب أنغامها أبت عليه الاطمئنان فألصق جسده إلى حناياها أكثر، فاختلج القلب واللحن معًا، فجادت بالدمع الغزير.
- لا أستطيع يا ولدي.
فنزعته عن صدرها، وأوسدته الطريق وهرولت، غير أنّ الصبي كان ممسكًا بطرف خمارها فتباطأت، ثم جذبته قبل أن تضعف أمام كفّهالصغيرة وأسرعت بالركض.
أخذت تصمّ أذنيها وتشتد بالركض …والنحيب:
- سامحني يا ولدي...
أيقن أنّ أمانه لم يعد موجودًا،
فصرخ بشدة، وملأ دوّيه الأرجاء؛
إنه الآن وحيد
على قارعة الطريق
يصارع الأهوال.
تعليقات
إرسال تعليق
___